غذاء ومناخ
تتمثل أزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا في عدم القدرة على الاتفاق على حصص كل دولة من المياه في أوقات الجفاف، وليس في السد في حد ذاته، إذ أن السودان لديه سدود، ولم تمثل يومًا مشكلة للقاهرة، وفق ما قاله عالم الفضاء المصري الأميركي، الدكتورعصام حجي، الذي يعمل في وكالة ناسا بالولايات المتحدة.
استضاف “ناسا أبس غروب” حجي في لقاء افتراضي يوم السبت 7 سبتمبر/أيلول 2024، للحديث عن ” كيف تسهم علوم الفضاء في حياتنا اليومية، وكيف تقدم حلول للأرض والبيئة”، وحضرت منصة “غذاء ومناخ” اللقاء.
وشرح حجي أزمة تغير المناخ؛ وكيف دفعت وكالات الفضاء إلى توجيه جزء كبير من نشاطها وميزانيتها لدراسة هذه التغيرات منذ عام 2004. وعلى سبيل المثال توجه ناسا 30 – 45% إلى دراسة التغيرات المناخية.
وقال: “إثيوبيا التي دشنت سد النهضة هي بلد المنبع، ولم يجر تحديد حصص المياه التي تحصل عليها الدول وقت الجفاف، أو انخفاض هطول الأمطار، وهذا يحدث بسبب تغير المناخ”.
وسخر حجي من المستخفين بأزمة تغير المناخ، والعلوم بصفة عامة في منطقتنا “السعيدة” وفق وصفه، وقال: “عند ذلك نرجع إلى نقطة لا يزال الكثيرون في منطقتنا يعدونها مزحة، أقصد مزحة تغير المناخ”.
علاج أزمة سد النهضة
قال عالم الفضاء المصري الأميركي، عصام حجي: “حل أزمة سد النهضة يكمن في عمل مراكز للدراسات المشتركة بين مصر والسودان و إثيوبيا، تدرس التغير المناخي في حوض النيل، وتحدد كمية المياه، ونستطيع تقسيمها بعد ذلك.. إذا كان هناك ميراث لا نعرف حجمه، فكيف سنقسمه على الورثة؟، ومن الطبيعي أن تحدث خلافات على هذا الميراث”.
ويرى حجي أن أزمة المياه لا تحدث صدفة مثل الأزمات المناخية التي لا تحدث إلا نتيجة إهمال على مدد طويلة لمؤشرات تغير المناخ، مثل تجاهل ارتفاع حرارة الصيف، أو ضرب إعصار لمنطقة بصورة استثنائية و -أيضًا- عدم التحرك حياله وكأنه من طبائع الأمور، أو حتى حدوث فيضان وتجاهله.
وقال: “إهمال إشارات تغيرات المناخ، تمنع وجود منظومة رصد،
لذلك أسسنا مشروع لفهم التغيرات المناخية، وأنا مسؤول عنه في ناسا، ونقوم برصد التغيرات المناخية في المناطق الصحراوية من خلال مجموعة أقمار صناعية، وهي نوعين جليدي ورملي”.
وإن إهمال إشارات تغير المناخ، كان سببًا في مقتل 11.3 ألف ليبي في فيضانات استثنائية في مثل هذا اليوم من العام الماضي (9 سبتمبر/أيلول 2023)، وفق حجي.
“أليس من الغريب أن يكون أكبر حادث غرق في أفريقيا في صحراء ليبيا، وليس في الكونغو الديمقراطية”.
وأضاف حجي: “جرى التحذير من إعصار دانيال المتسبب في فيضان درنة في ليبيا، ولم يستجب أحد.. وحتى إذا حذرناهم كان سيموت غرقًا ضعف هذا العدد، لأنهم سيفرون إلى الطرق ويغرقون فيها، بسبب عدم الاستعداد، والأخذ بما يقوله العلم.. إعصار دانيال ضرب اليونان ولم تحدث خسائر بحجم كبير مقارنة بليبيا”.
وواصل عالم الفضاء شرح رؤيته عن أهمية العلم قائلًا: “هناك فرق بين العلم والمنطق، فالأول يسير وفق رصد واقعي للأحداث، لكن المنطق يتعلق بأفكار كل شخص ومدى ثقافته.. والباحث والعالم عليهما دور، فعندما نجري أبحاث عن المياه ونقصها والسيول والمخاطر الطبيعية، ولا نبلغ الناس بنتائجها سيتكرر ما حدث في ليبيا. والإعلام عليه دور.. لازم نقرف الناس بأبحاثنا في كل وسائل الإعلام بدلًا من إفساح مساحات كبيرة للجهل”.
وتابع: “ما اقصده إذا لم يكن هناك ثقافة علمية للتعامل مع قضايا المياه والطاقة على سبيل المثال، لن يكون لدينا خطة للتعامل مع هذا”.

وأثنى العالم المصري، على دور وكالة الفضاء المصرية قائلًا: هذا مشروع حقيقي، وأهميته تكمن في دراسة موارد مصر. كما لها دورًا رئيسًا في الحفاظ على أرواح الناس وحماية الأمن الغذائي.
ونوه إلى ضرورة دراسة كل ما يؤثر على الأمن الغذائي في الداخل أو الخارج. على سبيل المثال، هناك ضرورة لدراسة تأثير تغير المناخ على دولة مثل أوكرانيا، لأننا نستورد كميات قمح كبيرة منها.
وقال: “في إحدى السنوات ارتفع سعر الخبز في مصر بسبب حرائق حقول القمح في روسيا، والحرائق تحدث بسبب تغير المناخ، ويجب أن يعرف المواطن أن تغير المناخ هو السبب في زيادة سعر رغيف الخبز الذي يشتريه في وقت ما”.
دراسة المجموعة الشمسية
شرح حجي أهمية دراسة كواكب المجموعة الشمسية، قائلا: إن فهم التغيرات التي حدثت في تلك الكواكب، يساعد في استيعاب ما يحدث في الأرض. فكل كوكب في المجموعة، واكتشاف التغيرات التي حدثت فيه يمثل نقطة ضوء تساعد في فهم التغيرات التي تحدث على الأرض.
على سبيل المثال، كوكب الزهراء يمثل ماضي كوكب الأرض، فيما يمثل المريخ مستقبل الأرض. كما أن المذنبات والنيازك، هي التي جلبت جزء كبير من المياه وبالتالي الحياة إلى الأرض.
والأقمار المحيطة بزحل والمشترى، وهي مغطاة بالجليد كاملة، تمثل العصر الجليدي الذي مر به كوكب الأرض. وزحل والمشترى، يمكن أن يكونا يمثلا المرحلة البدائية لكوكب الأرض، عندما كان سحابة غازية.
وقال: “إذا كل هذه الامور تمثل نوافذ لفهم كوكب الارض. يعني -أيضًا- إن فهمها ليس بغرض زراعة المريخ، أو عمل معسكرات عليها، ولا غزوها، ولكن الهدف الأرض”.
وتابع: “أحدهم قال لي إن ناسا هي الفضاء، ولكنكم تعملون في الأرض ودراسة الصحراء ونهر النيل. وأرد عليه بأن التغيرات المناخية الحادة كانت سببًا في التحول نحو دراستها”.
وأضاف: “نعلم أن تغير المناخ في القطبين الشمالي والجنوبي يؤدي إلى ارتفاع الحرارة وذوبان الثلج وارتفاع مياه المحيطات، لكن التغيرات المناخية في الصحراء، التي يعتقد البعض إنه ليس لها وجود، موجودة مثل السيول. كما أن المناطق غير الممطرة أصبحت ممطرة، وتغير المياه الجوفية وزيادة رقعة الصحراء”.

وتابع: “كل هذه الظواهر تعكس التغيرات المناخية التي لا نعرفها كلها في الصحراء.. إذا فهمنا تلك التغيرات في الصحاري، نستطيع فهمها على كواكب المجموعة الشمسية، وبالتالي مستقبل الصحاري، أي علاقة عكسية، ما يمكنا من فهم مساحة تمثل 11% من كوكب الأرض”.


