ما قصة ليمون أمالفي في إيطاليا والمزارعين الطائرين؟

غذاء ومناخ

يسهم ليمون أمالفي على ساحل أمالفي الإيطالي في توفير سبل العيش وحماية التربة من الانهيار، كما اكتسب مزارعوه لقب “المزارعين الطائرين”، فما قصته؟

طوّرت حدائقه على مدى قرون من الزمن، فشكّلت نموذجًا للزراعة الجبلية في منطقة البحر الأبيض المتوسط، يمتزج فيها الإبداع بالتقاليد.

وعمل المزارعون على مدى ألف عام تقريبًا ينحتون أراضٍ صالحة للزراعة من المنحدرات الشاهقة، وزرعوا بساتين الليمون والزيتون والكروم في خطوط ضيقة من المصاطب الحجرية التي تتشبث بسفوح الجبال، ويتنقّل المزارعون فوق التعريشات الخشبية، المعروفة باسم “برغولا”، للعناية بمحاصيلهم ما أكسبهم لقب “المزارعين الطائرين” نظرًا إلى أسلوبهم في الحصاد الذي يتحدى الجاذبية.

ويُزرع ليمون أمالفي لعطره القوي ولبّه الحلو المذاق والغني بالعصارة، ما يجعله كنزًا في عالم الطهي وركيزة لتراث لا يزال حيًا عبر الزمن، وفق تقرير تلقته منصة “غذاء ومناخ“.

وأُدخِل الليمون إلى ساحل أمالفي للمرة الأولى في بدايات العصور الوسطى عن طريق التجارة مع العرب وكان يُستخدم في البداية كعلاج طبي.

وكان البحّارة يستخدمونه لتجنّب الإصابة بداء الإسقربوط خلال رحلاتهم الطويلة. وبحلول القرن الخامس عشر الميلادي، أصبح ليمون أمالفي ركيزة أساسية من ركائز التجارة البحرية المزدهرة، يربط المنطقة بمدن في جميع أنحاء إيطاليا وأوروبا.

ليمون أمالفي يساعد المزارع الصغيرة

مع مرور الوقت، لم يعد ليمون أمالفي في إيطاليا مجرد سلعة تجارية، بل أصبح رمزًا للهوية.

وحاليًا أصبح صنف “سفوساتو أمالفيتانو” جزءًا أساسيًا من طابع ساحل أمالفي. وهو حلو المذاق لدرجة أنه يؤكل نيئًا كالتفاح، ويُضفي نكهة على المعجنات والمعكرونة، ويُقطّر ليُنتج مشروب “ليمونتشيلّو” الكحولي الذي تتميز به المنطقة.

 كما يُشكّل هذا الصنف دعامة لسبل العيش المحلية، إذ يستقطب قطاع السياحة الزراعية الزوار للقيام بجولات في بساتين الليمون، وحلقات العمل حول فنّ الطهي، ومتحف الليمون الذي يجمع بين الزراعة والضيافة والتقاليد، مما يساعد المزارع الصغيرة على الصمود في وجه التحديات المعاصرة.

نكهة ليمون أمالفي تُستعمل في المعكرونة
نكهة ليمون أمالفي تُستعمل في المعكرونة – الصورة من ذاتاست إيدت

وصنف “سفوساتو أمالفيتانو” هو ثمرة قرون من التكيّف المحلي، حيث تأقلم بشكل فريد مع السفوح الشديدة الانحدار وهواء البحر.

وتُسهم هذه الحدائق الفسيفسائية والغابات المحيطة في تعزيز التنوع الزراعي البيولوجي الذي يضمن الأمن الغذائي وقدرة النظام الإيكولوجي على الصمود في بيئة هشة ومرتفعة.

ويستذكر مزارع ليمون أمالفي من الجيل الثالث في وادي فالي ديلي فيرييري، غينو أماترودا: “عندما كنت صغيرًا، كان من الطبيعي أن تهطل أمطار خفيفة في معظم فترات بعد الظهيرة في فصل الصيف”. أما الآن، فإما أن تهطل دفعة واحدة أو لا تهطل إطلاقًا. وحين تأتي الأمطار، تمرّ مرور الكرام لدرجة أنّ التربة تعجز عن امتصاصها”.

ويُوضح قائلًا إنّ نظام المصاطب الزراعية يساعد على امتصاص قوة المياه وتوجيهها، مما يُحوّل الأمطار الغزيرة من تهديد إلى مورد هام.

إهمال المصاطب يمثل خطرًا على الأراضي

رغم أنّ المصاطب التي تحمي الأرض المزروعة بأشجار ليمون أمالفي، قد تُشكّل خطرًا عليها.

 فعندما تجري رعايتها بعناية، تُسهم في تثبيت المنحدرات؛ أما إذا تُركت من دون رعاية، فقد تنهار وتسبب انزلاق التربة.

المزارع غينو أماترودا قال: “نحن نعمل مع الطبيعة، وإذا لم نوجهها فإنها ستستعيد ما كان لها في السابق. ولن يبقى ساحل أمالفي على حاله إذا تخلّينا عن مصاطب الليمون”.

تُعدّ بساتين أمالفي النظام الوحيد في إيطاليا الذي يجمع بين المصاطب الزراعية وتعريشات البرغولا لزراعة الليمون، وهي طريقة مبتكرة ومُرهقة في الوقت نفسه. فلا يزال المزارعون يحصدون الثمار يدويًا وينقلون سلالًا قد يصل وزنها إلى 70 كيلوغرامًا عبر مسارات جبلية ترتفع مئات الأمتار عن سطح البحر.

وصيانة تعريشات البرغولا والجدران الحجرية مكلفة ومتواصلة، لذلك هُجرت  العديد من البساتين أو بيعت خلال الخمسين عامًا الماضية.

مزارع يحصد الليمون – الصورة من سي إن ‘إن

 ويُعدّ اليوم “المزارعون الطائرون” من آخر حماة ليمون أمالفي، إذ باتت تقاليدهم مهددة بفعل ارتفاع التكاليف والتحول الديمغرافي وتغير المناخ.

وفي أغسطس/ آب 2025، أدرجت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) حدائق ليمون أمالفي ضمن نظم التراث الزراعي ذات الأهمية العالمية (GIAHS)، واضعة مصاطبه وتعريشاته الخشبية في مصاف المناظر الطبيعية الزراعية الأعلى قيمة في العالم.

 ولا يقتصر هذا التصنيف على البُعد الرمزي، بل إنه يُقرّ بأنّ هذا النظام المعقّد يمثل كنزًا ثقافيًا وتراثًا زراعيًا، فضلاً عن كونه نموذجًا للقدرة على الصمود لا بد من حمايته.

وبفضل التقدير الذي منحته المنظمة، باتت قصة الزراعة في أمالفي تروى على منصة عالمية. فحدائق الليمون تُجسّد أكثر من مجرد محصول زراعي: إنها نظام إيكولوجي حيوي يُساهم في استدامة البيئة، وصون التنوع البيولوجي، وتعزيز ثقافة الغذاء. ويُعدّ ليمون أمالفي مثالًا حيًا على التداخل بين الطبيعة والثقافة والمجتمع، وعلى القدرة على الصمود التي تنبع من العيش في تناغم مع الأرض.

القصة الكاملة هنا.

اقرأ أيضاً

  • نوفمبر 25, 2025
  • 15 views
استرداد الغابات البرازيلية بفريق الحافظة الروحية للمعارف المتوارثة

غذاء ومناخ تقود أنجيلا نيفيس بيريرا، أو “بيلا” كما تُدعى، وهي حافظة روحية للمعارف المتوارثة، فريق استعادة الغابات البرازيلية، إذ يُشكل فريق العمل، المكون من 12 فردًا، سلسلة بشرية لنقل…

Read more

  • نوفمبر 21, 2025
  • 26 views
أكثر من ربع المزارعين الأميركيين قد يواجهون زيادة هائلة مُحتملة في أقساط الرعاية الصحية

غذاء ومناخ يعتمد أكثر من ربع المزارعين الأميركيين على قانون الرعاية الصحية الميسرة، لكن الإعفاءات الضريبية من عهد بايدن تتوقف في نهاية العام الجاري (2025). أسهمت الإعفاءات الضريبية والإعانات الأخرى…

Read more

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *