غذاء ومناخ
يكشف المتحف المصري الكبير، الذي جرت مراسم افتتاحه في 1 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2025، عن جزء من تاريخ البلاد المتعلق بإنتاج الغذاء، وكيف حافظ المصري القديم على موارده الطبيعية، خاصة مياه النيل من الهدر.
ويعرض المتحف المصري الكبير؛ من بين أكثر من 100 ألف قطعة أثرية؛ أدوات الطعام وبعض أنواع الوجبات، التي كان القمح والشعير من أهم مكوناتها.
وصُمم المتحف المصري الكبير بطريقة تراعي معايير الاستدامة، لتتوائم مع روح المصريين القدماء التي التزمت بحماية البيئة، وفق ما وثقته أوراق البردي، إذ يوفر ما يعادل أكثر من 16 مليون لتر من مياه النيل سنويًا، وفق ما ذكره البنك الدولي.
ويؤكد أحد نصوص كتاب الموتى عند الفراعنة المصريين مدى الحرص على مياه النيل، إذ قال: “لم ألوث مياه النيل، ولم أتعال على الآخرين بسبب منصبي. لم أُهمل نباتًا حتى يموت عطشًا، وقد أطعمت الجائع وسقيت العطشان”.
يمتد المتحف المصري الكبير على مساحة 500 ألف متر مربع، على بعد مسافة تبلغ ألفي متر من أهرامات الجيزة الثلاثة: خوفو وخفرع ومنقرع.
توفير الطاقة والمياه
يشير تصميم المتحف المصري الذي يوفر الطاقة والمياه، إلى قصة حماية الموارد ومن بينها الغذاء على مر العصور، خاصة القمح، إذ عُرفت الصوامع لتخزينه منذ قرون.
ومن أشهر الصوامع التي وجدت في معبد الرمسيوم بالأقصر، وهي مبنية بقباب الطين واستمرت لمدة 1500 سنة حتى الغزو الروماني لمصر، إذ كانت تكفي لإطعام مصر والإمبراطورية المصرية الممتدة في أنحاء العالم.
وأطلق الرومان على مصر لقب “صومعة العالم”؛ لأن “قمحها وخيرها كان يطعم العالم آنذاك”، وتواصل بناء الصوامع في مصر إذ كان لكل مدينة شونة أو صومعة حتى عصر الاحتلال الإنجليزي، الذي توسع في زراعة القطن ليكفي حاجات مصانعه في أوروبا، وفق ما ذكرته الهيئة الوطنية للصحافة على موقعها الإلكتروني.
وبنى المصري القديم الصوامع والشون من الطين اللبن، بسبب الحاجة إلى تهوية الغلال، كما أنه قدّس الثعبان الذي قضى على الفئران التي تهدد الصوامع.

كان القمح من أهم المحاصيل التي زرعها المصري القديم، وحقق فائضًا فيها للتصدير، على عكس الوقت الحالي، حيث تُعد مصر أكبر مستهلك ومستورد في العالم للقمح، ولا تنتج أكثر من 50% من احتياجاتها.
وبسبب القمح احتج العمال أمام صوامع الغلال بالرمسيوم، في عهد رمسيس الثالث، ورددوا كلمات مفادها: “لا نجد ما نأكله.. إن عرش فرعون اهتز”.
ولأهمية القمح في الوجبات اليومية عند المصري القديم، فقد كان حريصًا على عدم ارتفاع أسعاره، إذ يقول أحد نصوص كتاب الموتى، “لم أبع قمحًا بثمن فاحش.. لم أغش الكيل”.
تكلفة المتحف المصري الكبير

بلغت تكلفة بناء المتحف المصري الكبير 1.1 مليار دولار، ما يعادل 51.7 مليار جنيها، وهو رقم ضخم بالنسبة للاقتصاد المصري، خاصة أنه يزيد عبء الديون، رغم أن معظم القروض التي حصلت عليها كانت بفائدة ميسرة من الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (جايكا)، لكن على مر التاريخ تجاوزت الدولة أزمات عديدة، حتى على مستوى الغذاء.
ووفق بحث لجامعة حلوان، ظهرت أزمات الغذاء في مصر القديمة نتيجة لأسباب متعددة، منها: حصاد سيء وتغير مناخي وحروب و أسباب اقتصادية ودبلوماسية.
کان منسوب مياه نهر النيل غير مستقر في مصر القديمة، إذ ينخفض أحيانًا ويرتفع في أوقات أخرى، ما تسبب في أزمات غذاء متکررة.
وعرف المصري القديم كيفية إدارة أزمات الغذاء، إذ بذل الملوك المصريون والبطالمة مجهودات للحفاظ على الأنشطة الزراعية عبر بناء السدود وحفر القنوات وتخزين وتوزيع الغذاء.
وأشارت الدراسة إلى تسجيل حدوث أزمات الغذاء بوضوح في مدة الانتقال الأول من خلال السيرة الذاتية للحکام في العصر البطلمي، مثل التي حدثت خلال حکم بطليموس الثالث، وسُجلت على مرسوم کانوب، وفي عصر بطليموس الخامس على حجر رشيد.


