غذاء ومناخ
تُفاقم الفيضانات سوء وضع انعدام الأمن الغذائي في السودان، إذ أنها تضاعف صعوبات الوصول إلى الأسواق، المدمرة بسبب النزاع بين الجيش النظامي وقوات الدعم السريع منذ عامين، وفق المدير العام المساعد لمنظمة الأغذية والرزاعة (الفاو) والممثل الإقليمي لإقليم الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، الدكتور عبدالحكيم الواعر، الذي أشار في تصريحات خاصة لمنصة “غذاء ومناخ“، على عدم القدرة على تحديد سبب تلك الفيضانات، أو علاقتها بسد النهضة الإثيوبي.
غير أن الواعر أوضح أن تلك الفيضانات، لم تأت في موعدها المعتاد هذا العام، وكانت “متأخرة جدًا”، وفق قوله، وتفاصيل أخرى يكشفها الحوار التالي:
ما هو وضع انعدام الأمن الغذائي في السودان بعد الفيضانات الأخيرة؟
الوضع في السودان منذ بداية الحرب قبل عامين سيء جدًا، ما يدفعني لترديد جملة مفادها: “إذا كانت غزة الأزمة الأكثر حدة في العالم، فأزمة السودان هي الأكبر حجما”.
نصف عدد السكان البالغ 50 مليون نسمة مهددون بالجوع بمختلف درجاته من الجوع الحاد وانعدام الأمن الغذائي في السودان، حيث يقع هؤلاء في الفئات الثالثة والرابعة والخامسة للتصنيف المرحلي للجوع.
لكن بعد تحرير الخرطوم، يُقال أن هناك بعض الاستقرار؟
الوضع الأمني في استقرار نسبي، خاصة في المنطقة الغربية في كردفان ودارفور، لكن المشكلات المتعلقة بالجفاف والفيضانات، وعدم استقرار السكان في المناطق الزراعية، وعدم القدرة على الوصول إلى مناطق الزراعة بسبب النزاعات تسبب سوء وضع الأمن الغذائي في السودان.
وبذلت الفاو جهودًا كبيرة لتوفير البذور على المزارعين، ووزعنا في السنة الأولى بذورًا على 1.2 مليون مزارع، ما أسهم في توفير سبل عيش لأكثر من 6 ملايين شخص، إذ أنتجوا غذاء لأكثر من 10 ملايين شخص.
ولكن الحرب تحول دون الوصول إلى المزارعين؟
هذا ما حدث بالفعل في السنة الثانية، إذ لم نتمكن من الوصول إلى مناطق بالكامل مثل دارفور وكردفان؛ بسبب الفيضانات التي أدت إلى عدم قدرة السيارات على السير لنقل البذور، إضافة إلى استمرار النزاع.
كما تسببت الفيضانات في نفوق عدد كبير من الثروة الحيوانية، ودمرت الكثير من الأراضي الزراعية، ومعها المحاصيل الزراعية بطبيعة الحال.
كم المساحة المُدمرة جراء الفيضان؟
نحن ندرس حاليًا الوضع، كما أن الفيضانات مستمرة، حتى وإن كان مصدر المياه توقف، لكن ستستغرق بعض الوقت لتنحسر عن الأراضي، والقدرة على زراعتها مجددًا، واستعادة الثروة الحيوانية.
عملنا خلال العامين الماضي والحالي حملة كبيرة لتطعيم الثروة الحيوانية في السودان، في جميع أنحاء البلاد، “وقد كانت مهمة جدًا لحصر الأمراض التي تصيب الثروة الحيوانية”.
كما عملت الحملة على توفير أعلاف للثروة الحيوانية في السودان، لكن لا تزال هناك مشكلات في التوزيع داخل السودان، بسبب دمار الأسواق بالكامل نتيجة الحرب، وليس هناك مراكز تسوق آمنة داخل المدن حاليًا لتوزيع المنتجات الزراعية.
وعلى سبيل المثال، دُمرت الخرطوم بالكامل، لذلك لا يوجد بها أسواق، وأيضًا السلع غير موجودة بكميات كافية.. هذه الأسواق كانت تستقبل السلع عبر طرق آمنة من مناطق الإنتاج في الريف إلى المدن، وهذه الحركة أصبحت شبه معدومة بسبب الحرب أو الفيضانات.

هل هذه الفيضانات بسبب سد النهضة الإثيوبي كما يتردد؟
لا أستطيع أن أجزم بذلك، لكن من المؤكد أن هناك زيادة في منسوب المياه في مجرى نهر النيل.
أوقات الفيضانات معروفة، وإذا كانت هذه الفيضانات، ستكون جاءت متأخرة جدًا هذا العام، لأن الفيضانات تبدأ في شهر يونيو/حزيران، وتستمر حتى منتصف سبتمبر/أيلول من كل عام.
لكن هذه الفيضانات في 2025، جاءت في أكتوبر/تشرين الأول، وتزامنت مع فتح أبواب سد النهضة.
الفيضانات لا تكون أبدًا بسبب الأمطار الزائدة في السودان، “ما أقصده أنها تأتي عندما تزيد مياه نهر النيل، وهذا يتطلب الدراسة لتحديد الأسباب الرئيسة لهذه الفيضانات، وهناك تنسيق بين الدول لعمل ذلك”.
هل لمنظمة الفاو دور في هذه الدراسات؟
لا؛ ولكن نحن ندرس آثار الفيضانات في الثروة الحيوانية والزراعة ومدى الأضرار التي لحقت بالناس في المناطق المنكوبة، لكن على المستوى المحلي لكل دولة .
ونجري الآن تقييمًا للفيضانات في السودان، إضافة إلى أننا نعمل على التدخل بمشروعات لمساعدة المتضررين من تلك الفيضانات.

بسبب الفيضانات العام الماضي، انهار سد أربعات، ما يفاقم من أزمة انعدام الأمن الغذائي في السودان، ما دوركم في علاج ذلك؟
السدود تدخل في قطاع البنية التحتية، وهو أمر خارج نطاق عمل المنظمة، إذ أنها تحتاج إلى تمويل، عبر أي من المؤسسات الأفريقية مثل بنك التنمية الأفريقي، أو البنك الدولي.
ونحن لا نتدخل في ذلك، ودورنا يتوقف عند الدراسات التي تقيم آثار انهيار السد، وبعدها تتقدم الدولة نفسها إلى مؤسسات التمويل.
لكنكم أجريتم تلك الدراسة العام الماضي؟
نعم وعندما تكون هناك أضرار جديدة نحدّث الدراسات، حيث تستند الدول إلى تلك الدراسات في طلب تمويل مثل هذه المشروعات من مؤسسات التمويل.
ولم تعمل الفاو على دراسة حالة سد أربعات المنهار فقط، ولكن تعاملنا مع سدود أخرى في السودان، حيث شاركنا في إعادة ترميم بعض السدود المبنية بطرق قديمة تقليدية بـ “أكوام ترابية”.
تتواجد هذه السدود في ولاية البحر الأحمر، إذ أنها بدائية جدًا، ومع ارتفاع منسوب مياه الأمطار تكون معرضة للانهيار، وتدمير قرى كاملة، لذلك تدخلنا العام الماضي بمساعدة الجهات المانحة ورممنا 2-3 سدود.


